مقدمة
“وداعا للطرق المعبدة، وداعا لإشاراتِ المرور، عليّ أن أتخذ دربي عبر الغابة، عليّ أن أكون شقيا”[1]
لا أعلم كيف لي أن أستهلَّ الحديثَ حولَ الكتابة؟ كيف أبدأ حديثا حول نفسي و فعل الكتابة بوصفها حدثا خاصا وغريبا و طقسيا؟
أن أحولها إلى حدثٍ عظيم لا يحدث ببساطة من دون طقوس و إلهام متنزل من السماء و جنيات صغيرات.
تراودني نفسي على تصوير الأمر كحريقٍ عظيم يشتعل داخل النفس، حريق يلتهم الروح و يترك الشعر رماده في الأصابع المسودة من أثر الزحام. أصور الأمر كمعركة تشبه الجورنيكا أو كولادة مادونا من رأس زيوس أو كحضور عشتار.
الأمر ببساطة أنا أكتب، أعيش حالة الكتابة في مجمل الأوقات، لا أخاف و لا تنتابني الرجفة فأهرع إلى الورق لأسجل ما يعتريني من تنزلات، أنا أخبر نفسي و أحكي لها سردا و أمضي، كما أقود سيارتي كل صباح، كما أستحم مساءً أو أجلس إلى المائدة للغداء.
ما يؤرقني ليست الكتابة أو النشر بحد ذاته، ما يؤرقني تلك الأفكار التي تشتعل في الرأس؛ تحاول الخروج في كل لحظة في شكل نص. تلك الأفكار التي تطالب بحريتها في التعبير، وأطالب أنا باعتقالها في الشكل.
و ها أنا أكتب الآن حول تجربتي مع الكتابة و أشعر -كما أشعر دوما- بعدم الرضا لأن الأحداث و الأفكار بداخلي أكثر ضخامة من حشرها في جمل و سرد.
الكتابة بإحداثياتها كلها، انطلاقا من حدث و اختصاره في موضوع ومكان وزمن. الوقت المتطلب مني لإنجازه والجدولة لأوقاتي لأكون على موعد مع دفتري، والمكان الذي علي فيه معانقة قلم أو “كيبورد”.
لحظتها و أنت في محاولة الفعل / الكتابة، تنمو داخلك شبكة معقدة من الأحداث والأفعال والأقوال، تجد أن الأشياء من حولك تستحيل سراباً ، فتتمدد روحك خارج حدود جسدك محاولة الكسر وتتساءل:
لم عليك ترك الغيبة التي تسكنها، حيث الأشياء حولك عذبة و نقية و صافية في أشكالها و صورها الأولية؟ الجواهر التي تستمتع بالنظر إليها؛ لم عليك ترك الجنة إلى جحيم الشكل؟ و لكن ما يأخذك للشكل مجددا هو شعورك الدائم بالخطيئة وغالبا يكون نزولك لأسباب أرضية و غيرية بحتة.
أنا أكتب الآن، أصارع داخلي برعب مستمر، شعر و أفكار، أكبر من أن أحولها إلى شيء عادي أو معتاد، وما يفعله الجميع (ربما) بلا أدنى طاقة هو عمل هائل و يستلزم مني طاقة و صبرا.
البدايات
كيف بدأت الحكاية؟ لا أذكر على وجه التحديد، أذكر جيدا متى بدأت أحلل ما يدور حولي محاولة مَنطـَقة الأحداث، أذكر متى بدأت أقرأ، لكني لا أذكر على وجه الدقة متى بدأت أكتب؟!
لم تبدأ من الطفولة و لا المراهقة، اعتدت في تلك الفترة أن أرسم الكلمات في الهواء حولي، أحدثني بلغة فصيحة عن أحلامي ومشاعري وحزني ، كانت الكتابة في تلك اللحظات التي أشرد بها خلال قراءتي وأجد في تلك الأختباءات متعتي و أرقي.
أذكر تلك الحادثة الصغيرة، و لربما لا يتذكرها أحد غيري -من أهلي-، كنا مسافرين على طريق البر، و كان أخي دائم الشرود، يومها قلت لوالدتي أنه سيكون كاتبا لأنه دائم الشرود. كانت تلك المرحلة حيث بدأت تتكثف قراءاتي ، كنت أقرأ كل ما يقع بيديّ، حتى “اليافطات/اللافتات” في الشوارع.
دوما رغبت أن أحيا تلك الحيوات المختلفة التي أقرأها، شغفت بالتغير والخلق والسحر، وكانت القراءة تمنحني تلك اللذة، لذة تختلف عن مشاهدة الأبطال في التلفاز، في القراءة يتحد الخيال والشعور في استنطاق النص و خلق روح. كنت أرغب ربما في ذلك الزمن أن أكتب.
أمنية صرت أمنحها من حولى كما فعلت مع أخي. كنت في ذلك السن، السن الذي سبق و تخلل أيام مراهقتي حيث الحب والحزن والكره و الصراع والسعادة و كل الانفعالات البشرية المكتوبة تجعلني أتساءل عن الحقيقة والخيال في السرد، كان يؤرقني كثيرا أين يقف حد الحقيقة، ومن أين يبدأ الخيال، وهل الكاتب بشر مثلنا ؟
ذلك ما جعلني أتجه إلى قراءة الكتب التي تفسر و تنتقد، كتب النقد والكتب التي تشرح آليات الكتابة، كانت رحلتي للتنقيب عن الحقيقة خلف تلك الصورة الجليلة.. الكاتب.
كيف يستطيعون الكتابة؟ ما الذي يدفعهم لأن يخلقوا عالما خاص و يدفعونه إلى النور لنقرأه ؟ و هل تشبه الكتابات حياتهم؟
أذكر في تلك الفترة أنني كنت أمضي نهاري بأكلمة في نقاش مع نفسي عما وراء تسمية الأشياء، ولم صيغت الجمل التي كتبت بهذه الصياغة.
هي الفترة ذاتها بينما كان الجميع في بيت خالي يتسابق للعب؛ كنت أنعزل في مكتبته لأقرأ “ألف ليلة و ليلة” بأجزائها الأربعة، قراءة مستمرة في كل زيارة أسبوعية دفعت به لأن يهديني المجلدات التي مازلت أحتفظ بها إلى اليوم.
متى بدأت الكتابة فعليا ؟
بدأت على ثلاث مراحل لم ترَ النور في مرحلة الثانوية، ثم فجأة كان النصُّ في الجامعة على شكل قصص قصيرة – و لأكتب قصصا قصيرة يومها امتلأت مكتبتي بأنواع الدراسات النقدية والتعريف بالقصة كلها، ثم مرحلة تغيير التخصص المساند لشهادتي الجامعية ليكون اللغة العربية، والانضمام إلى منتديات وورش أدبية، والالتحاق برابطة الأدباء، ثم الكثير من الخبرات وصولا إلى كتابين: “المرآة” و” تجريد”.
ما الكتابة ؟
و الآن؛ وأنا في بداية الرحلة، و قبل أن أسأل نفسي: ما الذي تمنحني إياه الكتابة؟ فكرت أن أبدأ بالسؤال التالي أولا: “ما الكتابة؟” و كيف يتجلى السؤال في معتقداتي؟ لست بصدد التنظير هنا، و لكنها محاولة لوصف ما أؤمن به.
الكتابة هي ذلك الألم الذي لا مبرر له، الاختناق الزائد بالأوكسجين، أن تعيش و تتنفس و تكون وحيدا في شتائك تلتمس الدفء من اللغة والشعر، و كما يقول أفلاطون:” نحن من نسل الأفكار”، والأفكار هي المولد الأساس للشعور و بتلك الثنائية بين العقل والمشاعر تكون صيرورتي ككائن، وأجمل تمثيل لتلك الصيرورة في فعل الكتابة، باعتبارها وجودا وخيالا، حاضرا و مستقبلا، جنونا و عقلا.
و بذلك تحول الفعل/الكتابة، والنتيجة/الشعر إلى أداة لانكشاف حقيقة الوجود عندي، الوجود في هذا العالم الذي أرقني و شغلني منذ الصغر، و ربما بدايتي الفعلية كانت من خلال ثلاثة أسئلة، السؤال الأول بدأ في الصغر جدا و أنا ألهو بألعابي عن المسيّر والمخيّر، ثم أضفت سؤالا جديدا في سن الثامنة و أنا أتابع على الشاشات أطفال الحجارة و اختطاف “الجابرية” حول الصيرورة والتحولات التي يمر بها الإنسان من الولادة إلى الموت، والثالث في عمر المراهقة، وهو حقنا في السؤال والشك؟
من خلال القراءة / الكتابة بدأت أبحث عن تلك اللغة الفريدة، اللغة المانحة المتجددة، اللغة التي تحاول الكشف، لغة يوسوس لها الجنون لتعيد اكتشاف العقل[2]
متجاوزة الشعر كنمط كتابي بتفعيلاته و أوزانه، و لكنه “الشعر” باستعارة من هيدجر، الشعر/ الفن الذي يشكل الوجود الإنساني الأصيل و وفق مفهوم أنطولوجي كلي. و عندما أتحدث عن تجربتي مع الكتابة، فهي نتاج مجرد لتجربتي مع الفن، الفن الذي يعيد إحياء الوجود فينا، و يمنحنا الوجودَ الحقيقي، الوجود الشعري حتى من خلال الأكل والنوم والكلام.
و مازلت أحلم من خلال الكتابة أن استطيع مزج الحياة، الرسم و الرياضيات و المنطق، العزف والرقص والتجارب في المختبر على تفاعلات الكيمياء والفيزياء والروح.
و ذلك كله من خلال الحياة بكل ثنائياتها و تعددياتها، و استخدام أسئلتي الكثيرة باباً للدخول في عالم مختلف و جاذب، وفي الكثير من الأحيان مزعج لمن معي. و ما زالت الأسئلة الثلاث ترافقني وأحاول الإجابة عنها من خلال الكتابة.
أنا أكتب
أن يكون كيانك لغة و أن تتحدث في الكثير من الأحيان مجازا، أن تكون الكتابة معشوقتك السرية، وحالة الكتابة تشبه فعل الحب حيث لا تسمح لأحد أن يشاهدكما معا أو أن تقاطعا. تلك السكرة الروحانية و أنت في حالة انشغال في عتمة مجيدة ينهال فيها النور مثل شهب مارقة تقتل شياطين الاعتيادية والسطحية .
ذلك العذاب الذي يغمرك في محاولاتك للاندماج والتخفي، لتبدو متشابها مع الجميع، مهتما مثل الجميع، و مكرسا وقتك لما قد يكرسون جميعا وقتَهم له. تستنزفك محاولاتك تلك جلّ طاقتك، تتمنى دوما لو تكون وحيدا وأنانيا في وحدتك، ممعناً في الغياب ومتخلفًا عن سرب يُظن بأنك تنتمي إليه، أن تكون صلتك بالأرض مقطوعةُ فتسكن سماء وحيِك.
هناك في انعزالك أنت مطمئن غير خائف، وحيد كذئب قاسم، تتنشق العطر في كهفك كقاتل زوسكند، عارٍ في خلودك، و تجلس ملتحفا خفتك التي لا تحتمل.
يحدث في حربك أن تتوق لأن تكون عاديا و لو ثارت الروح ضدك، تنجح مؤقتا فتعود، و يتألم من حولك بتلك اللعنة. تجهل فعليا كيف يكون الاندماج و لا ترغب فيه أيضا، صراع أن تكون مختلفا ليس بسبب تميزك و لكن لأنك لا تفهم الحياة ببساطة الفعل ورد الفعل.
ولم أخبركم بذلك كلِه؟ لأنني أعرف بأن الأسئلة والكتابة تمنحني الشعبيةَ المنسيةَ، الرغبة في الاندماج، وأن “أكون” ولكن محاطة بزجاج يفصل البشر عني.
“الشعور هو الذي يظهر تطابق الوجود والعقل ويشخصن العقل” كما يقول بول ريكور
ومشاعري تلك شخصنت فِكَري، و صبغت كتاباتي -ربما- باحثة عن الحرية والاختيار، راغبة في التحرر من الشكل وباحثة خلال الشعر.
“قل لهم،
فيما ينامون على أحلامهم،
سترى في نرجس الصحراء
في ترنيمة العود وغيم الشعر سرداً وانهداما”[3]
في الكتابة أنا وحيدة حرة ، حرة من ذلك الظل الذي لا يوجد، تلك النظرة التي أسست بالمسطرة والجلاد، وأؤمن بأنه علينا اليوم ككتاب أن نتحرر من الموروث و القانون، من تلك السطوة و ذلك الظل، ولو كان التحرر سلاحاً ذا حدّين.
ما يغضبني؛ أن تُفرض علينا اختياراتنا، أن يكون الطريق الصحيح وحيدا، أن يكون السراط مستقيما، وأن المشي عليه يعني أن الخطأ عذاب .
و ماذا عن الخيارات الي تفرض نفسها أحيانا فتكون المساطر شرا و الاستقامة عبثا؟ و ما الذي علينا أن نفعله بالألم و العرق و التعب الذي بذلناه في تلك البقعة الخالية من الضوء، نتلمس طريق الشوك و نصبر.
و لذلك ينبغي أن يتواجد في المقابل قارئ ذكي، لماح، مطلع و متدبر. قارئ يفرق بين الزيف و الأصالة، بين السطحي و العميق، بين من منح محاولاته بركة المعارك و شجاعة القتال، و من ارتدى معطف الحداثة كثوب فضفاض وجلس في المقهى أمام كوب قهوته و منفضة سجائره.
سيماهم في أقوالهم ، تلك الأقوال التي تخلق المعجم الجديد للغة، متخليةً عن طمأنينة الحشد ورصف الكلمات من معجم عجوز/شيخٍ متصاب.
اليوم أرى الكتابة في زمن تخوض فيه حربَ فُرادتها، تلك الحرب التي ستخلف موتىً كُثُر و شهداءَ أقل.
في الهواء يتقافز الكثير من الأسئلة: هل المجد للتعقيد أم للبساطة، لتلك الكتب الثقيلة التي تخاطب العقل أم تلك التي تخاطب الوجدان؟
و ما “ماهية/كينونة” الكتابة الحقيقية؟
اليوم نحن في زمن أصبح فيه التباهي بالفعل أسهل بكثير من القيام به، رغبة عارمة من الجميع للتواجد أولا و الخلود تاليا، تباه بسطحية الإنسان أكثر منه انعكاسا للذات الحقيقية، أصبح ما يحدث استعراضا للشكل، ومع التكنولوجيا أصبح الشكل يتكاثر مع ضغطة زر (لايك) .
أصبح الفن أن تغلف بضاعتك مهما كانت رديئة أو سيئة بأي طريقة تمنح الشاري التباهي/ التواجد إعلاميا عبر “السوشيال ميديا”، و بهذا؛ أصبح المهمُ ليس الفعل ذاته، وإنما هو إعلان الفعل.
و نتج بذلك فراغ مغلف بالجمال الباهت. اليوم البشر أنفسهم أصبحوا “فاترينات” عرض ، “مانيكانات” مغلفة بكل ما هو خاو و بلا روح . و ما علاقة ذلك بالكتابة ؟
و هل الكتابة من عالم آخر لا تتأثر ؟
ليس الزمن القديم زمنا جميلا، و لا أرغب بأن أبكي عند أطلاله، و لكن؛ تلك الرهبة التي كانت، والمحاولة و التعب أصبحا أقل اليوم بمباركة/ذريعة التكنولوجيا .
التكنولوجيا التي دمجت و أزاحت الوظائف للأشياء، و عقدت الاستخدامات و سلبت البعد الأسطوري للأحداث بقدر ما أضافت أشكالا جديدة للأسطورة!
و بعد ذلك؛ هل سيظل استخدامنا للغة كما هو أم أن عليها – أي اللغة – أن تتطور و تكتسب استخدامات و أبعاداً جديدة. و هل على القارئ أن يجلس كسولا مستسلما للشكل؛ أم أن يخوض حربه في المقابل لصنع التغيير في عملية جدلية مستمرة؟
فما الذي منحتني إياه الكتابة ؟
منحتني الحرية و الخلود.
حرية التخفي خلف جدار من الأبطال و الأحداث و الشخصيات، فعل جبان –أعلم- و لكن أن تصل إلى هناك حيث الرمز صنو الروح، و القول صنو الفكر ؛ تشعر بأنك تخلق عالمك حرا و كما تريد أن يراه الجميع، أن تكذب تحت غطاء شرعي، و بعكس الآخرين؛ يبقى صوت الكتابة / صوتك خالدا ولو مات الجميع.
تلك الأبدية، السؤال الرابع الذي بدأ يتشكل في وعيي بعد كتابي “تجريد” ليلقي بمسؤولية هائلة على كتفي، أن يكون للنقش على الورق الأبيض قيمة الخلود، و لأنه بعد مئات السنين ستكون أنت مازلت هنا، يقرأون فكرك و صوتك ويناقشونه في غيابك، في عدميتك، و لأنك في كل مرة يُفتح فيها كتابُك؛ ستسدعى من غيبتك. لتقف شاهدا صامتا متفرجا على الآخرين وهم يمسكون مباضعهم يجرحون بها مشاعرك. أنت ميت و لم تهتم ! و لكنها الكذبة، أن لا تهتم كذبة، و أن تهتم أيضا كذبة. التأرجح ين حالتيّ موتك و حياتك، وهذا التأرجح يمنحك لذة الحياة.
ما الذي منحتني إياه الكتابة؟
منحتني لذة الطريق، إذ لن أهتم أبدا للنتائج و النهايات. الثنائيات ليست إرثي، و لا التعددية و لا حتى الصراع حول المجد، دوما ما كنت أكثر سعادة بالدرب، و للطريق الذي أسلك، غابة أو صحراء، نورا أو عتمة، سردا وهدما وبناء.
“وداعا للطرق المعبدة، وداعا لإشارات المرور، عليّ أن أتخذ دربي عبر الغابة، عليّ أن أكون شقيا”[4]
منحتني القدرة على الاستمرار، و أن تكون حياتي أثرا فنيا لا مجرد تواجد مؤقت.
[1]منذر المصري
[2]أدونيس ، تنبأ أيها الأعمى
[3]قاسم حداد ، مجنون ليلى ، هو الحب
[4]منذر المصري


أضف تعليق