الإبداع في مرايا اللغة


لم علينا أن نكتسب حصيلة لغوية؟ كان تساؤلا من فتاة لا تتجاوز الخامسة عشر من العمر، كنا نتحدث حول أهمية اكتساب المفردات حتى يتسنى للإنسان التعبير باللغة التي ينتقيها كأداة تواصل وخطاب مع الآخر.
كنت أحاول أن أحدِّث المعتقد بأن خليط الكلمات من لغات عدة سيؤثر على قدرتها على التعبير و التفكير بوضوح عندما حاصرتني الأسئلة حول اللغة و التفكير والإبداع.
أتت بعضلات مفرودة ومطارق كثيرة لا يبددها سوى البحث عن إجابات. من يعرفني، يعرف بأن فضول الأسئلة والبحث عن إجابات لها هو نهج حياة بالنسبة لي. فما أن يطرح سؤال ما لا أستطيع إلا أن أخطو بإتجاه السؤال لأفككه بحثا عن الإجابة، تأكيدا لمعلومة أو تصحيحا لها.
ولجوء كهذا يستلزم استنطاق من سبق لنبني عليه فكرا جديدا وهذا البناء الفكري هو أساس السؤال الذي نبحث فيه.

يخبرنا لودفيج فجنشتاين بأن اللغة هي ناتج محصلة استخدامها. فاللغة شيء شخصي وخاص. تصف بدقة المعنى الذي لا يوجد إلا في عقل المتحدث. هي لعبة مصنوعة من الكلمات. هذه الكلمات نحتت بالتجارب الشخصية والخبرات والمعرفة. هذه الخبرات الشخصية تجمعت مع خبرات شخصية لأفراد آخرين في المجتمع مشكلين ما يعرف باللغة المكونة من أحرف وكلمات وجمل تشكل عبر استخدامها أداة تواصل بين أفرادها والذي بالضرورة – لا ينفي من وجهة نظري – أيضا تفردها الشخصي حيث المعنى السائد بين مجموعة أفراد لكلمة قد لا يطابق بشكل تام بالضرورة معناها الفردي في عقل كل شخص. وبالتالي نستطيع القول أن عملية التفكير ناتج تفاعل المؤثرات الخارجية مع ما يوجد في صندوق الذاكرة عبر وسيط هو اللغة. عملية التفكير تجعل من اللغة الداخلية عملية ديناميكية متغيرة ومستمرة وخاصة. فما نسميه أو تدل عليه الكلمات من مدلولات قد لا يعني بالضرورة المعنى ذاته للمتلقي. فكما أن المشاعر هي خبرة ذاتية بحته، فمعنى الكلمات التي تصف هذه المشاعر هي خبرة ذاتية. مما قد يأخذنا لجدل حول جدوى القواميس التي تعرف وتنشيء المعاني للكلمات في دائرة مغلقة حيث كل كلمة هي مجموعة كلمات داخل القاموس تعرف بها وتشير إليها. لنقم بلعبة اختبار صغيرة مع هذه الفرضية. الكلمة تعرف بكلمات تشير إلى معناها وتؤطره. هذه الكلمات الشارحة والدالة هي بحد ذاتها كلمات قاموسية توجد لها كلمات تشرحها وتؤطرها. فلو افترضنا أن علينا تعلم لغة أجنبية دون ربطها مع أي لغة سبق لنا تعلمها فسيكون المرجع الأول للكلمة الأولى فعلا شيء نراه في الطبيعة أو حركة ديناميكية فنشير إليه ونسميه. وتبدأ الاختلافات ما أن نبدأ بوصف هذا الشيء الذي نراه في و هكذا يكون المرجع الأول للكلمة الأولى هي الذات المفكرة منغمسة في مشاعر الوصف ووسيطها اللغة في تفاعلها مع المؤثرات الخارجية. هذا التجمع للخبرات والاتفاق قد شكل معنى عام للكلمات داخل القاموس و معاني متلقاه لذات الكلمة يأثر عليها سياق التلقي وزمنه و مكانه و مرسله.

يخبرنا أيضا هيدجر بأن اللغة هي وجود الكائن، فاللغة وسيط بين الكائن و كينونته، فالعلاقة بين خيال الإنسان والرمز الذي خلقه ليدل عليه هي علاقة وجود بموجود، فإن كانت أنا أفكر إذا أنا موجود صرخة ديكارت الراديكالية فإن التعبير عن هذا الوجود لا يتم بمعزل عن اللغة / الرمز التي هي أداة تواصل تؤكد الوجود. وبالتالي التفكير كما أراه هو عبارة عن عملية تحليلية لا تنتج إلا عبر اللغة. فالأفكار لا يمكن لها أن تنشأ بمعزل عن المحصلة اللغوية للإنسان. فالإنسان نتاج لما يعرفه ويتعلمه و هذه المعرفة التي تتخزن في العقل هي عبارة عن مجموعة لا حصر لها من الكلمات التي تستدعيها الذاكرة في المواقف المناسبة. هنا لا أتحدث عن اللغة بكونها أداة تواصل و خطاب، ولكن اللغة بوصفها أداة للتفكير والخلق والإبداع.

فإذا كان الإبداع عبارة عن عملية مزج واستعارة / بناء وهدم لموجود بهدف تحديثه أو إعادة تكوينه، فإن
هذا يعني أن اي تفكير جديد هو بنية قائمة على فكر سابق يقوم فيها الإنسان عبر التحليل والتواصل مع الآخر والإضافة المعرفية والإقصاء بصنع معرفة جديدة تظهر في الذهن على شكل فكرة محدَّثة، والمصنع الأساس الذي يرتكز عليه الفكر في عملية التحديث والصنع هي الكلمات، المفردات اللغوية التي يكتسبها المرء عبر نشأته، لذا أستطيع أن ادعي أن أي تفكير إبداعي لا يبدأ عبر تعلم اللغة، لغة الوعي والتفكير هي محض وهم وظن لا يمت للإبداع بصلة.

أضف تعليق