صورة الحلم والواقع .. فلم من أجل زيكو

مصطلح recency effect أو أثر الحداثة، حسب ترجمة هارفارد بزنس ريفيو، مع تحفظي على الترجمة، وأفضل أن اسميها أثر الحدث الراهن. والمقصود هنا تأثير الأحداث الأخيرة التي يعايشها الإنسان في التأثير على آراه أو سلوكه، وذلك لسهولة تذكرها وآنية معايشتها. طُبق هذا المصطلح على علم الإدارة و التسويق، ولكني هنا أود مناقشة تطبيقه على تلقى الأدب والدراما.

منذ أيام شاهدت فيلم “من أجل زيكو” الذي يعرض في السينما، وهو يحكي قصة أسرة تعيش في حارة متواضعة وفقيرة. أم تعمل طباخة بالأجرة، وأب يعمل سائقا لسيارة دفن موتى، كتب عليها سيارة تكريم الإنسان، وولدهما واسمه زيكو. يعيشون في شقة متواضعة مع أخ الزوج الحرامي العاطل عن العمل، والجد المصاب بالزهايمر. تبدأ أحداث القصة برسالة يتلقاها الجد، بأن زيكو الابن يفوز بمسابقة ٣ أذكى أطفال في مصر، وعليه أن يشارك في المسابقة النهائية. وهنا بدأت الرحلة، رحلة الأمل والحلم. ورغم المعاناة في تأمين مستلزمات الرحلة، فإن العائلة انطلقت في رحلة برية استمرت ليومين، لتصل لمكان المسابقة.
في الفيلم تتكرر كثيرا جملة الحلم والأمل، مع ظهور العديد من التناقضات بين الواقع والحلم، في إشارة إلى حال مجتمعاتنا العربية.
الفلم يرتكز برأيي على رسالة رئيسية، وهي أحلم صح أو ليكن حلمك واقعيا. فالطفل في الفيلم كان عارفا لإمكانياته، متسامحا مع ذاته وبيئته ومركزه أكثر من الكبار الذين رافقوه في رحلة وَهْمْ للوصول إلى واقع مختلف يستلزم الكثير من العمل والتحدي ليتحقق.
وأيضا هناك فكرة الرسالة الفرصة أو نداء، حيث لم يتردد الأم والأب للحظة في القفز نحو هذه الفرصة لابنهم، رغم التحديات المالية و اللوجستية لتنفيذها ودعم الابن، ولو عبر السرقة . وبغض النظر عن القالب الكوميدي الظريف للرحلة، فإن الرسالة الأخرى هي أن نقفز للفرص حتى لو كانت نهايتها مجهولة، فلا أحد يعلم ما يختبئ له في نهاية الطريق.
أعود لفكرة أثر الحداثة، ولِمَ تصدّر هذا المفهوم بداية هذا المقال. فأنا في نقاش مع نفسي منذ أن شاهدت الفيلم. الفيلم بسيط في أحداثه وقصته وحتى الكوميديا، وقد يبدو للوهلة الأولى أنه لا يرقى ليكون أكثر من مجرد فيلم ترفيهي، لولا صدف أني شاهدته في هذه المرحلة من حياتي التي قد تتشابه مع الفيلم في خطوطها العريضة حول الحق في الحلم، الأمل، السعي، والانفتاح على المسارات والدروب التي تأخذنا لها الحياة. فيلم قد أغير رأيي فيه لاحقا بعد سنوات، لكني لا أستطيع أن أنفي الأثر الذي تركه اليوم في نفسي.
الكثير من الكتب والأفلام وحتى الأقتباسات التي نشارك بها الآخرين عبر منصات التفاعل الإجتماعي يكون لها تأثير أكبر ووقع أشد لو أنها صدف لها أنها تقاطعت معنا ونحن في محطات معينة من حياتنا، بغض النظر عن أهميتها المعرفية والثقافية. وربما هذا ما يشكل قيمة أي عمل درامي إنسانيا، هو قدرته على أن يتقاطع مع ما يحدث حوله في المجتمع حتى لو كانت القصة المقدمة بسيطة. الكتابة عن الواقع تستلزم أن نعيد صياغة الواقع عبر إعادة خلقه في شبكة رمزية تؤثر على المتلقي عبر رسائلها، لايمكن اعتبار كل أحداث الحياة مستحقه بشكلها الخام أن تطرح في العمل الأدبي أو الدرامي، على الكتابة أن تعيد تشكيل الواقع و تستدعيه وتضيف عليه وتطرحه في قالبه المناسب، علينا أن نتجاوز فكرة العمل الملتزم وأيضا الفن للفن في الطرح نحو كتابة تستحدث الشكل لكن تحفر عميقا في المضمون. الكتابة عن عمل ما مع الوعي بمفهوم “أثر الحدث الراهن” ، قد يساعدنا على أن نكون أصدق تقييما لهذه الأعمال بوعي رغم تأثيرها علينا اليوم.

الردود

  1. صورة أفاتار Human

    هي أن نقفز للفرص حتى لو كانت نهايتها مجهولة،”
    فلا أحد يعلم ماذا يختبيء له في نهاية الطريق”

    طريق آخر وفرصة تزرع بداية جديدة. ما نخافه كثيراً، هو الأجدر بمعايشته ومأمن غفلنا عنه. مقالة جميلة قرأتها بعناية. تحياتي لكِ

    إعجاب

أضف تعليق