Collateral Damage أضرار جانبية



7 أكتوبر
(يقول المزارع علي شبير: “كان جدنا يقول لنا هذه الجميزة شجرة مباركة، وإن فرطتم بها ستفرطون في أرضكم فتمسكوا بها، وها نحن نحرص على زراعتها دوما لنتذكر آباءنا وأجدادنا القدماء”).
قرأت هذه الجملة وهي تتصفح الإنترنت بحثا عن نبتة تستطيع أن تستضيفها في منزلها، نظرت من النافذة إلى شجرة الجميزة في الباحة بين بيوت المستوطنة، تشعر بتوق إلى نبات يكون ملكها، تسقيه، يكبر، تحدثه، يحفظ أسرارها. أمس في جلسة اليوغا كانت تحاول أن تقوي شاكرا الحوض، تقول لها المدربة، عليك أن تحاولي إعادة التواصل مع مركزك، عدم قدرتك على التوازن، شعورك بالعزلة والفراغ وعدم القدرة على التواصل الفعال مع من حولك نتيجة لهذا الخلل، امشي حافية القدمين، تواصلي مع الأرض، اشتري نبتة.
حضَّرت فنجان قهوتها، متجهة للنافذة، من بعيد أصوات غريبة تصل لمسمعها، من النافذة، أشياء تحلق عاليا مخلفة خيوطا بيضاء، أصوات عالية، دخان، أقدام تهرول، أشياء تتكسر. من النافذة، رأت والدها يهرول بسرعة نحو منزلهم مستمرا في التلويح لها، هناك شيء غريب وغامض في هذه التلويحة!
لم يكد يصل إلى الجميزة في منتصف الساحة حتى سمعت صوتا مدويا وهائلا. تطاير الأشياء أمامها، سقطت أرضا، أعادت النظر من النافذة، حولها، رأت الجميع يطلون من نوافذهم عيونهم شاخصة مرتعبة تمطر أسئلتها إلى اليد العالقة على غصن في منتصف الباحة: “كيف استطاعوا أن يدقوا جدران المستوطنة!”.


356
كان يحبو نحو سلك معزول، كنت أراه من بعيد، لسبب ما كنت لا أستطيع أن أنوي الحركة، كان هناك شلل عام يتكتل في أطرافي، يثقل على قلبي ويجبر عيني على الدخول في حالة إغفاءة، كنت أدرك الخطر وأراه، لم أكن مشلولة أبدا، حالة غريبة من التحجر أو البلادة.
للحظة فكرت.. (دعيه، فهكذا أفضل، وخزة سريعة وينتهي كل شيء، قلبه أصغر من أن يستمر طويلا، وخزة سريعة)
كان مستمرا في الحبو، يصدر تلك الأصوات السعيدة كلما أثار فضوله شيء ما. أتذكر كل الألعاب التي جمعتها في حقيبتنا، ملابسه، كان الحقيبة تنتظرنا عند الباب، تنظر إلي وأنظر إليها ملوحة لي: “ألم يحن الوقت؟”
كان الوقت قد حان منذ زمن بعيد، لكن إلى أين!
كم كنت أود لو أجمع البيت كله في حقيبة سفري، صورنا، فناجين قهوتنا، الياسمينة في الشرفة، الجميزة العجوز في الساحة، صوتك الذي دونه لا يكون المكان بيتا. تحسست المفتاح المعلق برقبتي. كنت قد جمعت ألعابه كلها، ملابسه. وضعته أرضا، بدأ يحبو. لم تكن هناك مسافة زمنية بين الصوت والموت، ناديته مرارا، كنت على الأرض، وهو هناك ما زال يحاول أن يحبو، أن يصل لسلك يثير فضوله بشراراته المتطايرة، أنادي باسمه، سعيدا كان يحبو وأنا أنتحب في مكاني.





355
استقرت في الأرض، أو هكذا خُيّل إليها بعد أن سمعت صوتا عاليا مدويا، كانت اللحظة المروعة هي ما اكتشفته تاليا:
أن أعداد الضحايا قد وصل إلى ٣٥٤ ضحية جديدة، تساءلت: هل أنا من ضمن هذه الأعداد؟
لم تكن ترغب أن تخرج من منزلها هذا الصباح؟ فقط نظرت من خلال نافذة الشباك إلى جميزة عجوز، كانت سلوتها الوحيدة في الأيام الماضية، كلما رأتها أيقنت أن حياتهم باقية، حيواتهم التي تجمعت لتشكل نهرا يفيض لا يمكن لهم أن يقطعوا تدفقه مهما حاولوا. مشت حتى النافذة الوحيدة الباقية سليمة في الجدار وتنهدت حسرة.
أين هو خليل؟ لقد وعد أن يأتي في الصباح وها قد حل الصباح. الصورة المعلقة على الجدار قبالة النافذة تخبرها أنه سيعود.
كانت تتحرك بخفة على الأرض المستوية تلتقط أشياءهم المبعثرة. تفكر بأنه قد حل زمن طويل منذ أن قامت بترتيب المكان الذي يقيمان فيه. لا تعلم ما الذي دعاها لأن تجلس على الأرض وسط الغرفة وتنتحب فجأة.

354
قالوا له بأن صوتا مدويا عاليا قد سمع من بعيد، كانت سيارته الجيب تحاول أن تحث خطاها وهي تحفر الأرض في طريقها إلى مستقرها. ماذا لو أن؟
كان السؤال الذي ينتفض في رأسه فينفضه بحركة من يده كلما مر هذا الخاطر. قيل إن أعداد الضحايا هو ٣٥٣ ضحية، يدعو الله في قلبه، ربي لا تزد هذه الأعداد عددا. تحرقه هذه المسافة الفاصلة بينه وبينها، يحاول أن يطوي الأرض، يتمنى لو كان ساحرا، لو يملك جنيا من جان سليمان يستخدمه درعا ضد هذه الصواريخ النازلة من السماء. قلبه يتضرع بالدعاء.
“صامت؟” سأله صديقه وهو يحدق من زجاج النافذة إلى الخارج. عجلات الجيب تدور وتدور والمناظر لا تتغير هي هي ذاتها. ألم يمروا بجانب هذه الجميزة منذ قليل؟ تذكره بشجرة مباركة أمام منزلهم، أجابه: “الدمار البشع الذي يخلفه هؤلاء الأوغاد متشابه”.
لم يجبه سوى الصمت حوله وصوت مدوٍّ اخترق قلبه.

353
كان يزيل محرمة وقعت منه على الأرض، استهزأ من نفسه وهو يرى الخراب حوله! وحدها جميزة قديمة انتصبت في وسط الساحة باسقة تسند على خاصرتها بعض المصابين.
من بعيد سمع أحدهم يقول: “العدد وصل ٣٥٢ حتى الآن”.
شعر بقدميه خفيفتين وهو يتجول، رغم أن الرماد يجتاحه مغرقا حنجرته برماديته إلا أن شعوره كان مختلفا عما كان يشعر به هذا الصباح.
قلت لها: “هنا أو هناك؛ تحت سقف أو سماء، نحن إزاء تهديد واضح، فما الضرر المتوقع لخروجي؟! أحتاج لأن أتحرك، أن أشعر بأن قدمَيّ حرتان تستطيعان نقلي”.
ردها كان هستيريا: “الصوت الصوت الصوت!”.
لكنني خرجت رغم ذلك، كان تعليقي الوحيد، جارتنا تنتظر فنجان قهوتك.




352
من يعلم يقينا كم وصلت الأعداد الآن، نحن أضرار جانبية، تحدثني هذه اللفظة كثيرا بمدلولاتها، كيف يمكننا الجمع بين كلمة ضرر وجانبي في الآن ذاته! هل يمكن للضرر أن يكون هامشيا، هل تكتسب الأسماء طاقتها من ذاتها أم من الصفات المضافة إليها.
كنت في الفصل أمسح الطباشير عن السبورة، الذرات الرقيقة للطباشير تتطاير متراقصة كلمة مسحت سطرا. خطر لي أن أسألهم؟ هل أنتم أضرار جانبية؟
استدرت ببطء ونظرت إلى الوجوه التي تراكمت على المقاعد الدراسية: “أتعلمون ما هو اليوم؟”.
منذ أيام وأنا كل صباح أعيد السؤال ذاته، أشطب التاريخ المكتوب وأكتب تحته تاريخ اليوم. يجيبني معظمهم: “السبت”.
منذ زمن طويل، عندما كانت الأيام فيها لا تشكل علامة فارقة في حياتنا، كانت الأيام تمضي متشابهة، تنساب مثل الماء داخل قلوبنا تاركة صدوعا عميقة. ذلك الصباح كان مختلفا، حزنه كان أثقل لكن نسيمه كان رقيقا. ليلتها حلمت بالجميزة وسط باحة المدرسة، كانت تحيط بها بركة حزن راكدة، كيف عرفت أنها بركة حزن؟ لا أعلم لكن طعم الماء الذي كان مالحا أحالني لذلك، كنت أوزع كعكات حمراء للأطفال، كعكات برتقال التي كنت أخبزها لهم كهدايا تشجيع. استيقظت بشعور أسى، عندها قلت لنفسي، الحزن ثقيل هذا الصباح، لكنني نهضت وارتديت أفضل ما لدي، أخرجت الطحين والزيت والبيض وبعض برتقالات ناجية وخبزت كعكة. فكرت، فليكن، ما الضرر أن نأكل كعكا دون سبب!
لم أكن أعلم أن اليوم سيكون مختلفا، بأنني سأجمع الفتيان والفتيات في المدرسة، بأن الآباء سيبكون بجانب رفوشهم وأن الدعوات ستغرق الأمهات، بأن الأصوات ستتسارع، ستكون مدوية ومخيفة، بأننا نحن الجالسين نحدق في السبورة نعلم يقينا أن هذا الصوت سيقترب منا. وبأنه من الأفضل لو آخذهم نفترش الأرض تحت الجميزة المعمرة نتقاسم الكعكة. فجأة استدرت وقد ألح علي سؤال: ما هو اليوم؟ما هو اليوم؟

Art Work Credit Rami Kanso

Original Art work can be found in this link https://www.instagram.com/p/Cy784zssJnF/?igshid=MzRlODBiNWFlZA==

أضف تعليق